Monday, November 11, 2019

فيلم "وأخيرا رقصنا": بين الاحتفاء النقدي والحشود الغاضبة التي هاجمت صالات عرضه

أثار عرض فيلم "وأخيرا رقصنا" في العاصمة الجورجية تبليسي ضجة كبيرة، انتهت بمهاجمة حشود ضمت مئات الغاضبين من المحافظين وأتباع اليمين المتطرف لصالات السينما التي تعرضه فيها ومدن أخرى.

كما وجهت الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية انتقادات شديدة للفيلم، ووصفته بأنه "هجوم ضد الكنيسة".

وامتدت الضجة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي حفلت بجدل واسع بشأن عرض الفيلم. وانتشر مقطع فيديو لزعيم جماعة "الت ـ أنفو" السياسية القومية، زوراب ماخارادزه، يدعو فيه للتظاهر ضد الفيلم، الذي وصفه بأنه "جزء من حرب معلوماتية وأيديولوجية بين النزعتين المحافظة والليبرالية".

أخرج فيلم "وأخيرا رقصنا" المخرج السويدي من أصول جورجية، ليفان أكين، وقد حظي الفيلم منذ بدء عرضه في مهرجان كان ثم في مهرجان لندن السينمائي باحتفاء نقدي كبير، واختير ليكون ممثلا للسويد في التنافس على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي التي ستعلن مطلع العام المقبل.

ويواصل الفيلم حصد عدد من الجوائز في بعض المهرجانات العالمية، من بينها مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي ومهرجان أوديسا الدولي، فضلا عن مهرجان سراييفو الذي حصد فيه جائزة أفضل ممثل رئيسي.

وعلى الصعيد الشخصي، كنت رشحت هذا الفيلم للفوز بجائزة النقاد العرب للأفلام الأوروبية التي تقدم على هامش مهرجان القاهرة، خلال عضويتي بلجنة تحكيمها.

لقد نجح أكين في التقاط لحظة توتر جمعت العام والخاص، في العلاقة بين روح الفرد وروح الأمة، أو علاقة جسد الفرد بالمكان العام الذي يعيش فيه (الوطن) الذي نعكس في داخله في سلسلة من القيم والسلوكيات.

وعكس كل ذلك ضمن نسيج فني مميز، برع في اكتشاف المعادلات الموضوعية التي جسدت ثيمته الأساسية في مزيج من مختلف عناصر التعبير الفني: الموسيقى والرقص والأداء التمثيلي ضمن بناء ولغة بصرية مميزة.

وبنى أكين حبكة فيلمه على التوتر بين الفردي والجمعي، ولا أقول التناقض إذ أنه قدمه هنا في إطار تفسير أو تأويل شخصي لمفهوم روح الأمة مجسدا في مكانة الرقص التقليدي لدى الجورجيين واعتباره رمزا يعبر عن خصوصيتهم، وجسده ضمن صيرورة تقوم على الاكتشاف (بالنسبة لبطله وللمتفرج أيضا) وليس عبر وصف خارجي وتتبع تطور السرد ومسار الحكاية زمنيا.

فتصبح قصة الفيلم، قصة اكتشاف بطله الشاب "ميراب" (أدى دوره ببراعة الممثل والراقص الجورجي الشاب ليفان غلبخياني) لنفسه وجذوره وجسده وعواطفه وهويته الجندرية وميوله الجنسية، وينعكس هذا الاكتشاف عبر تناغم عناصر فنية متقن بين الرقص والتمثيل والصورة السينمائية.

فميراب، الشاب المتحدر من عائلة جورجية، تحترف الرقص الجورجي التقليدي، يجهد نفسه في استوديو التدريب التابع لفرقة الرقص الوطنية في تبليسي لإثبات براعته ووراثته لهذا التقليد، لكن مدرب الرقص (الذي لا يوحي شكله، بلحيته الكثة وبنية الجسدية الضخمة، بمدرب رقص) يرى فيه دائما رقة و"ميوعة" لا تتناسب مع رجولية الرقص التقليدي الجورجي، الذي يقول له إنه رقص يعكس القوة والرجولة والشجاعة و لامكان للضعف أو الميوعة فيه.

وتتردد تلك المفاهيم على على أذن "ميراب" على لسان المدرب في الاستوديو عندما يذكره وهو يراقص صديقته (الممثلة أنا جافاكيشفيلي) التي يتدرب معها منذ سنوات بأن "الرقص الجورجي لا يحتمل أي إيحاءات جنسية"، أو على لسان المسؤول الرسمي الذي يزور الفرقة ويذكره أن هذا الرقص يُجسد روح الأمة الجورجية.

وتقابل هذه المعالجة رحلة اكتشاف المخرج نفسه، المولود في السويد، لجذوره وهوية آبائه. وقد كتب أكين مؤخرا على صفحته في فيسبوك ردا على هجوم اليمينين المتطرفين على فيلمه في جورجيا قائلا: " لقد صنعت هذا الفيلم بمحبة وتعاطف. إنه رسالة حب وجهتها لجورجيا ولموروثي. وبتقديم هذه القصة أردت استعادة وإعادة تعريف الهوية الجورجية لتشمل الكل لا البعض".